أبي حيان الأندلسي

362

البحر المحيط في التفسير

ارتيابهم مع وضوح هذه الحجة فظاهر فساده . والمبطلون : أهل الكتاب ، قاله قتادة ؛ أو كفار قريش ، قاله مجاهد . وسموا مبطلين ، لأنهم كفروا به ، وهو أمي بعيد من الريب . ولما لم يكن قارئا ولا كاتبا ، كان ارتيابهم لا وجه له . بَلْ هُوَ : أي القرآن : آياتٌ بَيِّناتٌ : واضحات الإعجاز ، فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ : أي مستقرة ، مؤمن بها ، محفوظة في صدورهم ، يتلوها أكثر الأمة ظاهرا ، بخلاف غيره من الكتب ، فليس بمعجز ، ولا يقرأ إلا من الصحف . وجاء في صفة هذه الأمة : صدورهم أناجيلهم ، وكونه القرآن ، يؤيده قراءة عبد اللّه ، بل هي آيات . وقيل : بل هو ، أي النبي وأموره ، آيات بينات ، قاله قتادة . وقرأ : بل هو آية بينة على التوحيد ؛ وقيل : بل هو ، أي كونه لا يقرأ ولا يكتب . ويقال : جحدته وجحدت به ، وكفرته وكفرت به ، قيل : والجحود الأول معلق بالواحدانية ، والثاني معلق بالنبوّة ، وختمت تلك بالكافر . ولأنه قسيم المؤمنين في قوله : يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ ، وهذه بالظالمين ، لأنه جحد بعد إقامة الدليل على كونه الرسول صدر منه القرآن منزل عليه ، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ، فهم الظالمون بعد ظهور المعجزة . وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ : أي قريش ، وبعض اليهود كانوا يعلمون قريشا مثل هذا الاقتراح يقولون له : ألا يأتيكم بآية مثل آيات موسى من العصا وغيرها ؟ وقرأ العربيان ، ونافع ، وحفص : آيات ، على الجمع ، وباقي السبعة : على التوحيد . قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ، ينزل أيتها شاء ، ولو شاء أن ينزل ما يقترحونه لفعل . وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ بما أعطيت من الآيات . وذكر يحيى بن جعدة أن ناسا من المسلمين أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بكتب قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود ، فلما نظر إليها ألقاها وقال : « كفر بها جماعة قوم أو ضلالة قوم أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم » ، فنزلت : أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ . والذي يظهر أنه رد على الذين قالوا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ : أي أو لم يكفهم آية مغنية عن سائر الآيات ، إن كانوا طالبين للحق ، غير متعنتين هذا القرآن الذي تدوم تلاوته عليهم في كل مكان وزمان ؟ فلا تزال معهم آية ثابتة لا تزول ولا تضمحل ، كما تزول كل آية بعد وجودها ، ويكون في مكان دون مكان . إن في هذه الآية الموجودة في كل مكان وزمان لرحمة لنعمة عظيمة لا تنكر وتذكر . وقيل : أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ : يعني اليهود ، أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ بتحقيق ما في أيديهم من نعتك ونعت دينك ، وروي